ليلة القدر


يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعَالى في مُحْكَمِ التَّنْزيلِ: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ {5}﴾ [سورة القدر].

هي ليلةٌ عظيمة الشأن لا تكون إلا في شهر رمضان ولا يشترط أن تكون ليلة السابع والعشرين منه بدليل حديث واثلة بنِ الأسقع قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « أُنزلت التوراةُ لستٍ مضَين من رمضان وأنزل الإنجيلُ لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الفرقانُ لأربع وعشرين خلت من رمضان » رواه البيهقي. فيحتمل أن تكون أي ليلةٍ من ليالي رمضان، والغالب أنها تكون في العشر الأواخر من رمضان.

لقد أُنزل القرآن أي دفعة واحدة في شهر رمضان في ليلة القدر، وكانت ليلة القدر في ذلك العام ليلة أربعٍ وعشرين من رمضان، كما يؤخذ ذلك من الحديث ويُعْلم من هذا الحديث أيضًا أنَّ ليلة القدر ليست خاصة بليلة السابع والعشرين من رمضان بل هي محتملة أن تصادف أول ليلة منه، وقد تكون في أي ليلة من رمضان، فهي ليست خاصة بليلة السابع والعشرين ولا بليلة التاسع والعشرين من رمضان، وكان إنزال القرآن تلك الليلة ليلة القدر، ليلة أربعٍ وعشرين من رمضان.

والقرآن أول ما أنزل نزل دفعةً واحدة إلى مكانٍ في السماء الدنيا يقال له بيت العزة، ثم صار جبريل يُنزل منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب الأمر الإلهي شيئًا فشيئًا، وكان نزوله دفعةً واحدة إلى بيت العزة في أول سنةٍ بُعِثَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في صبيحة تلك الليلة أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم خمس آيات منه وهي أول سورة العلق، ثم أنزل بعد ذلك مُفَرّقًا على الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينزل دفعة واحدة، وإنما المقصود من قول الله تعالى في سورة القدر ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ إنزاله دفعةً واحدةً إلى السماء الدنيا، أما إنزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم فكان مُفَرّقًا، وأحيانًا كانت تنزل عليه صلى الله عليه وسلم سورة كاملة، والحكمة من ذلك أن أغلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أُمّيين، فكان كلما نزل عليه صلى الله عليه وسلم شىء من القرآن يحفظه قسمٌ منهم، وهكذا حتى تكامل نزوله فحفظوه كله بعد أن تكامل نزوله.

قال الله تعالى: ﴿ فيها يُفرَقُ كُلّ أَمرٍ حَكِيم ﴾ وسُمّيت ليلة القَدر لأنّ فيها تقديرَ الأمور والأحكام والأرزاقِ مِن تلكَ اللّيلةِ إلى مِثلِها مِن قابِل (أي السنة التي تليها) فالله يُظهِرُ ذلكَ للملائكةِ ويُبَيّن لهم ما هُم مأمورونَ بفِعلِه فيَنسَخُون في صُحفِهم مِنَ اللّوح المحفوظِ ما يجرِي للعبادِ خلالَ هذه السّنة مِن مَوتٍ وحياةٍ وولادةٍ وأرزاقٍ ومصائبَ وفَرح ونحوِ ذلك. فمعنى ليلةِ القَدْر ليلةُ تَقديرِ الأمُور وقَضائِها، والقَدْر بمعنى التَّقدير.

وسمّيت ليلة القدر لأنّ الأرضَ تضِيقُ بالملائكة الذينَ يَنزلون فيها ولأنّ العمَلَ الصّالح يكونُ ذَا قَدْرٍ عندَ الله تعالى في هذه الليلة، خَيرٌ منَ العمَلِ في ألفِ شَهر ليسَ فيه ليلة القَدر. أو سُمِّيت بذلكَ لشَرفِها على سائرِ اللّيالي.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.