ما الفرق بين المشكلة العلمية و الإشكاليـة الفلسفية


المشكلة العلمية و االبحث العلمي

البحث العلمي لعب دوراً هاماً في حياة الانسانية فهو الذي ساعدها في الانتقال من ظلمات الحياة واستبداد الطبيعة إلى النور والحياة العصرية المريحة التي تحقق انسانية الانسان، فالبحث العلمي هو عبارة عن محاولة لضبط الشروط الصحيحة والمناسبة للقيام بعمل بحث علمي دقيق وتحديد المقومات الاساسية لمشكلة ما لتقديم حلول مفيدة لتلك المشكلة في شكل سؤال يقوم بصياغته الباحث للوصول إلى الهدف من البحث العلمي وهذا ما يسمى بمشكلة البحث العلمي.

مفهوم مشكلة البحث العلمي:
هي جملة في صيغة سؤال تستفسر عن العلاقة القائمة بين متحولين أو أكثر وجواب هذا السؤال هو الغرض من عملية البحث العلمي، أي أن الخطوة الأولى في الدراسة العلمية هي تحديد مشكلة البحث التي ينشد الباحث دراستها والتعرف على أبعادها بصورة دقيقة وإظهار الصورة الكاملة التي تتجلى فيها المشكلة، ولابد أن تكون هناك مبررات علمية يسوقها الباحث لدراسة مشكلة بعينها حتى تكون دراستها إضافة علمية جديدة.

فإذاً مشكلة البحث هي كل ما من شأنه أن يثير تساؤلا وصياغة مشكلة البحث بتعريف المشكلة وتحديدها بضبط معالمها ووضعها في مجراها الفكري، وبالتالي فإن المفاهيم والمصطلحات المستعلمة يجب أن تحدد بشكل كبير تحقيقا علميا على الحد الذي يستطيع فيه الباحث ترجمتها على أرض الواقع.

شروط المشكلة البحثية:
هناك مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في مشكلة البحث الجيد، وهي كالتالي:

  1. أن يكون الموضوع جديدا لم يتطرق إليه من قبل.
  2. وتكون المشكلة لها حلول.
  3. ويجب ان يكون الموضوع مرتبطا بحياة المجتمع أي أن يحدد نطاق مشكلة البحث.
  4. أن تكون اضافة لموضوع معين او اضافة جديدة لجانب معين.
  5. ان تكون بيانات الدراسة متاحة يستطيع الباحث الوصول إليها واختبارها.
  6. يجب ان يكون هناك ارتباط وثيق بين الموضوع المختار وميول الباحث العلمية.
  7. يجب ان تكون الإشكالية مصاغة بشكل يؤدي إلى القيام بالبحث التجريبي من خلال ضبط المتغيرات الأساسية والمتغيرات الداخلية.
  8. أن تراعى جميع الاعتبارات العلمية عند صياغتها بحيث لا تكون مشكلة البحث عامة يصعب التحكم لها ولا ضيقة بحيث تفقد قيمتها.
  9. يجب أن توضح مشكلة البحث العلاقة الوظيفية بين إشكالية البحث والتراث العلمي السابق.
  10. أن تكون قابلة للقياس والبحث، بالنظر إلى امكانية المنهجة والوسائل والأدوات.

إن مشكلة البحث هي التي تحدد ما يستوجبه البحث وتتجسد في السؤال الأولي ويعبر عنها أحيانا بالسؤال الرئيسي الذي يبلور الفكرة المحورية التي يدور حولها موضوع البحث ويجب أن تكون المشكلة محددة تحديدا واضحا وتحديد الغاية من طرح هذه المشكلة وفي غياب الهدف فإن ذلك يعني عدم وجود مشكلة بالبتة.

مفهوم الاشكالية الفلسفية

*مالذي يعنيه  مفهوم  الإشكالية ؟

لكل تخصص علمي مواضيع ومشكلات بحث ودراسة سواء طرحت من قبل ودرست أو مطروحة وتحتاج للبحث، التفسير أو التوضيح والفهم. حيث أن الباحث المختص يمكنه أن ينجز جردا بالموضوعات وبالمشكلات العلمية المطروحة في تخصصه والتي تتطلب الدراسة والبحث.

ولكن طرح مشكل أو موضوع للبحث يطلب صياغة وقولبة علمية تحدد المشكل العلمي المطروح وحدود تداخله مع إشكالات وموضوعات أخرى ورسم تصور لطريقة معالجته أو الإجابة عن تساؤلاته. وهو ما ندعوه صياغة إشكالية الدراسة أو البحث.

وحتى يتسنى للباحث أو الطالب الباحث طرح مشكلة بحثية جديرة بالدراسة والاهتمام العلمي يشترط بعض الشروط مثل :

  • أن يكون مشرف ومؤطر الدراسة هو من أقترح هذه الإشكالية  على الطالب الباحث لدراستها أو يكون المشرف قَبل الموضوع المقترح من طرف الطالب ووجه وأطر طريقة طرح الإشكالية .
  • يمكن أن تكون المشكلات العلمية المطروحة للبحث بغرض تقديم حلول من إقتراح مؤسسات أو مخابر علمية تشتغل في نفس حقل تخصص الطالب أو الباحث .
  • يمكن ايضا للدراسات السابقة التي تناولت نفس المشكلة أن تكون مصدرا لصياغة مشكلة بحثية / إشكالية  إعتماد على التوصيات والمقترحات التي توصلت إليها الدراسات السابقة .
  • يعتبر التخصص  الذي تكَون فيه الباحث  والخبرة التي أكتسبها من هذا التخصص عاملا مها ايضا في توجيه الباحث لاختيار مشكلات وموضوعات بحث جدية  .

على هذا فإن  بناء / صياغة / طرح الإشكالية  هو أساس كل عمل بحثي وعلمي مقبول ، فهي  ليست مجرد تساؤل يطرحه الباحث  ليجيب عنه خلال بحثه فقط وإنما هي : بناء وتشكيل لتصور عام للمشكلة المطروحة يقوم على معلومات علمية ، مفاهيم ، ومصطلحات  مترابطة بصفة منظمة ومنسجمة  تثير تساؤلا / أو عدة تساؤلات حول موضوع الدراسة تدفع الباحث بقوة إلى إجراء البحث والتوصل إلى إجابات للأسئلة المطروحة .

  •  كي تكون الإشكالية المطروحة قد تمت صياغتها بطريقة علمية وسليمة ، يجب توفر الشروط التالية  :
  • ضرورة تعبير الإشكالية عن مشكل / أو إشكال علمي حقيقتي يبين حيرة الباحث تجاه  الصعوبة والإبهام والغموض  الذي يكتنف هذه المشكلة البحثية  التي   على الباحث أن يكشف عنه ويوضحه .
  • ضرورة أن تكون الإشكالية مستمدة من المجال المعرفي للباحث ومن تخصصه
  •  ضرورة أن تكون مضبوطة وبدقة  ولا تتضمن إطنابا ولا حشوا لفظيا ولا تناقضا .
  • ضرورة أن تكون واضحة في مصطلحاتها ومفرداتها العلمية .
  • ضرورة أن تطرح المشكلة المدروسة في  صيغة إشكالية تنطلق من تصور / بناء  يتدرج من الأفكار والتوضيح العام والكلي إلى ماهو الخاص وجزئي  بمعني ينطلق من نظرة كلية إلى نظرة جزئية (من الكل إلى الجزء)
  • يجب ان تتضمن الإشكالية متغيرين أو عدة متغيرات  يتم الربط بينهما أو بينها جميعا.
  • على الباحث تجنب  طرح التساؤلات المغلقة في الإشكالية والتي تتم الإجابة عنيها بلا أو نعم ، بل عليه طرح تساؤلات تثير نقاشا وتفكيرا حول مشكلة معينة .
  • على الباحث صياغة إشكالية تقبل الاختبار الميداني والتحقق منها في الواقع من خلال عملية البحث والبرهنة .

من كل هذه الشروط نستنتج أن الإشكالية هي :

  •  عملية تعميق وتحديد للمشكلة المطروحة ، ونظرة متفحصة من طرف الباحث  لما يريد أن يدرس  والمسارات والطرق العلمية التي عليه إتباعها من أجل إجابة علمية على تساؤلاته .

ولا يمكن له النجاح في ذلك إلا من خلال:

– الإطلاع على الدراسات السابقة في الموضوع لمعرفة أين توقف الباحثون السابقون في معالجة هذه المشكلة .

– ضرورة تشكيل بيبلوغرافيا / فهرس بالمراجع والمصادر العلمية التي تناولت هذه المشكلة العلمية والإطلاع علي مايهم البحث لرسم مختلف زوايا الدراسة ، وتحديد ماهي المواد العلمية والأفكار التي تناسب الدراسة .

*مراحل صياغة الإشكالية: وهي أربعة خطوات أساسية :

1/ مرحلة الإحساس بالمشكلة : وهذا من خلال تحديد الباحث  للمجال المعرفي للتخصص الذي تكَون فيه وقيامه بصياغة  عنوان البحث محل الدراسة و الذي سيحول هذا الإحساس بالموضوع إلى قلق علمي يحاول الباحث أن يجيب عليه.

2/ مرحلة الإحصاء والاستطلاع:  يتعلق الأمر بجمع المعطيات والمعلومات والبيانات الخاصة بمشكلة البحث ومحاولة استطلاع هذه المشكلة في الواقع وفي الميدان.

3/ مرحلة التحليل : يقوم فيه الباحث  بتفكيك وتحليل البيانات والمعلومات المستطلعة بغرض ضبط العناصر المكونة لمشكلة البحث .

4/ مرحلة صياغة الإشكالية : وهي مرحلة التعبير اللفظي والكتابة للمشكلة  بناءا على مختلف العناصر التي تتكون منها والمستقاة من المراحل السابقة  والتي تُطرح في شكل تساؤلات واسئلة علمية حول المشكلة .

مفهوم المشكلة الفلسفية

هي تلك التي تتعلق بالمبادئ (الأصول أو الأسس أو الكليات)، بعكس المشاكل التي تتصل بالجزئيات كالعلمية (أو الدينية، الفنية، الحياتية … الخ)، وتتميز المشكلة الفلسفية في كونها تنقح وتهذب ولا تنتهي إلى حل قاطع كما نرى في المشكلات العلمية وغيرها.

تنطوي المشكلة الفلسفية على بناء وتركيب، أي أنها ينبغي أن توضع في سياق من التصورات التي تختلف عن المشكلة ذاتها. فقد تثار الأسئلة حول أي شيء دون سياق توضع فيه، أما المشكلة فيجب أن تبنى وتركب في سياق، لأنها نتاج تركيب فكري، إنها تنبع عن ارتباط موضوع يعد – ولو مؤقتا – إطارا لإمكان الحل. وبهذا المعنى يمكن أن يقال إن وضع المشكلة يؤذن بحلها. ومن هنا كذلك يمكن أن يقال عن مشكلة ما أنها أسيء وضعها، أي أن وضعها على ذلك النحو لا يؤدي إلى حلها.

إن المشكلة الفلسفية سؤال لم يجد حلاً مقبولاً لدى الجميع، فهي سؤال حي لا يزال يوضع، إنها إذن مفعمة بالحياة. إن المشكلة هي “بؤرة التوتر” التي تؤرق الإنسان، وتحثه على إيجاد الحل، مع أنها ذاتها، أي المشكلة، ليس لها حل، و”البؤرة الأكثر توترا تتجلى في كوننا لا نفكر بعد. دائما ليس بعد، رغم أن حالة العالم تدعونا باستمرار إلى التفكير وتسمح به.” (مارتن هيدجر)

شَكَلَ الأمر يشكُل شَكلاً، أي: التبس الأمر، والعامة تقول شَكَل فلان المسألة أي علّقها بما يمنع نفوذها . وعند التهانوي : “المشكل اسم فاعل من الإشكال وهو الداخل في أشكاله وأمثاله، وعند الأصوليين اسم للفظ يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد منه إلاّ بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال والمشكل ملا ينال المراد منه إلا بالتأمل بعد الطلب” ، كما أننا نجد عند الجرجاني، بالإضافة إلى المعنى المذكور عند التهانوي حول المشكل، نجد مفهوم المسائل، وهي عنده : “المطالب التي يبرهن عليها في العلم ويكون الغرض من ذلك معرفتها” .

أما المشكلة (بالإنجليزية: Problem) كما نجدها في المعاجم الفلسفية فهي : “المعضلة النظرية أو العملية التي لا يتوصل فيها إلى حل يقيني.” ، والمعضلة (بالإنجليزية: Dilemma) تعني حالة لا نستطيع فيها تقديم شيء، وهي تفيد معنى التأرجح بين موقفين بحيث يصعب ترجيح أحدهما على الآخر. والمشكلة تختلف عن المسألة في كون الأولى نتيجة عملية تجريد من شأنها أن تجعل “المسالة” موضوع بحث ومناقشة، وتستدعي الفصل فيها. وقد أكد أرسطو هذه التفرقة في كتاب “الطوبيقا” (المقالة الأولى) حين وضع “المشكلة الجدلية” في مقابل “القول الديالكتيكي”، فقال إن المشكلة الجدلية: “هي مسألة موضوعة للبحث، تتعلق إما بالفعل أو بالترك، أو تتعلق فقط بمعرفة الحقيقة إما لذاتها أو من أجل تأييد قول آخر من نفس النوع، لا يوجد رأي معين حوله، أو حوله خلاف بين العلة والخاصة، أو بين كل واحد من هذين فيما بين بعضهم وبعض” ، ويذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي بأن المنطق التقليدي (الأرسطي) لم يعالج موضوع “المشكلة” إلا نادرا، وذلك يرجع إلى كون المشكلة بوصفها من موضوعات ” الطوبيقا “ (الجدل) تنتسب إلى منطق الاحتمال لا إلى منطق اليقين، فهي تدخل في موضوع إفحام الخصم، وبالتالي فهي أقرب إلى الخطابة منها إلى المنطق.

تختلف المشكلة كذلك عن الإشكالية (بالإنجليزية: Problematic) ، حيث أن الإشكالية تعني الاحتمال والحكم الاحتمالي يدرس في موضوع أحكام الموجهات (بالإنجليزية: Judgements of modality) وهي أحكام تتميز بأنها تكون مصحوبة بالشعور بمجرد إمكان الحكم، بينما الحكم التقريري يكون مصحوبا بالشعور بواقعة الحكم. والإشكال عند إيمانويل كانت مرادف للإمكان، وهي مقولة من مقولات الجهة، ويقابله الوجود والضرورة، والأحكام الإشكالية عنده هي الأحكام التي يكون الإيجاب أو السلب فيها ممكناً لا غير، وتصديق العقل بها يكون مبنياً على التحكم، أي مقرراً دون دليل. وهي مقابلة للأحكام الخبرية [6].

ويذكر أندريه لالاند في موسوعته الفلسفية بأن الإشكالية (بالفرنسية: problematique) (ويترجمها مترجم الكتاب بـ : مسألية) هي : “سمة حكم أو قضية قد تكون صحيحة (ربما تكون حقيقية) لكن الذي يتحدث لا يؤكدها صراحة”.[7]

ماهي المشكلـة الفلسفية

تتعلق المشكلة بصورة عامة بالصعوبات المرتبطة بموضوع ما، فإن كانت الصعوبات تتصل بالجزئيات ؛ كانت مشكلة علمية (أو دينية، فنية، حياتية … الخ)، أما إذا كانت الصعوبات تتصل بالمبادئ، الأصول، الأسس، الكليات … الخ فإن ذلك يعني أنها مشكلة فلسفية على وجه التحديد. ومن هنا يمكن القول بأن ” أَمَـارَة “ المشكلة الفلسفية هي أن تتعلق بالمبادئ الكلية. ولذلك فإن أوّل ” مشكلة فلسفية “ ظهرت في تاريخ الفلسفة هي مشكلة ” أصل الوجود “ والتي طرحها طاليس (حوالي 630 – 570 ق.م) حين تسائل عن أصل الكون.

سمات المشكلة الفلسفية وخصائصها

إن أول سمة تميز المشكلة الفلسفية عن غيرها من المشكلات هي أنها تتعلق بالمبادئ أو الأصول الكلية. فالسؤال عن الكل، المبدأ، الأصل، والأساس هو الذي يضع الحد الفاصل بين كون هذا السؤال يعبر عن مشكلة فلسفية أم مشكلة علمية.

تتميز المشكلة الفلسفية كذلك بأنها على درجة عالية من التجريد والبحث النظري. ولذلك ترتبط بمن يثيرها، ولذلك فالمشكلة الفلسفية نسبية، أي تتحدد بالنسبة لمن يطرح السؤال، وتعتمد على مدى قبول أو رفض الآخرين لهذا السؤال.

و يعد السؤال عن الماهية من سمات المشكلة الفلسفية أيضا، وهذه مسألة هامة في نظرية المعرفة على وجه الخصوص. وبشكل عام؛ ترتبط المشكلة الفلسفية بـالقول وليس بالأشياء ذاتها.

العلاقة بين المشكلة والسؤال

يرتبط مفهوم المشكلة بمفهوم السؤال أشد ارتباط، فوراء كل مشكلة سؤال، مع أنه ليس بالضرورة أن يكون وراء كل سؤال مشكلة بالمعنى الفلسفي، وأول من تعرض لمفهوم السؤال وجعل منه قضية فلسفية في كتاباته المنطقية هو أرسطو، ففي كتاب المسائل (باللاتينية: Topica) يقول :” والمسألة (المشكلة) إنما تخالف المقدمة (القضية (بالإنجليزية: proposition)) بالجهة.

على اعتبار أن الفرق بينهما هو فرق في تحوّل صيغة العبارة، فإذا وضعت العبارة على هذا النحو : ” أليس الحي جنساً للإنسان ؟ “.” كانت مقدمة أو قضية. أما إذا قيل : ” هل قولنا ”الحي” جنس للإنسان أم لا ؟ “ فإن العبارة تكون مسألة.”، أي مشكلة. كما يضيف أرسطو بعد ذلك تمييزا آخر بين المقدمة المنطقية وبين المسألة المنطقية بأن يقول : “والمقدمة المنطقية هي مسئلة ذائعة إما عند جميع الناس، أو عند أكثرهم، أو عند جماعة الفلاسفة … وجميع الآراء أيضا الموجودة في الصناعات المستخرجة قد تكون مقدمات منطقية” ، أما المسألة المنطقية فهي “طلب معنى ينتفع به في الإيثار للشيء والهرب منه، أو في الحق والمعرفة؛ مثال ذلك قولنا هل اللذة مؤثرة أم لا.” .

الوضع والمسألة

والوضع هو رأي مبدَع لبعض المشهورين بالفلسفة، فالوضع أيضا مسألة، وليس كل مسألة وضعا، لأن بعض المسائل يجري مجرى ما لا يعتقد فيها أن الأمر فيها كذا أو كذا”  . وللسؤال أهمية خاصة في الفلسفة، فهو المدخل الأساسي إلى الحكمة، إلى الفلسفة. والسؤال هو الذي يشكل المشكلة ؛ فالمشكلة في نهاية الأمر سؤال يبحث عن إجابة. وقد حظي مفهوم ” السؤال “ بأهمية خاصة في الفلسفة الوجودية، وبوجه خاص لدى هيدجر الذي ذهب إلى تأويله على أنه سؤال عن الكينونة (بالألمانية: Seinsfrage) أو سؤال عن معنى الكينونة(بالألمانية: Sinn von Sein) يعود إلى ماهية الوجود الإنساني .

أهلية السؤال

يحدد ديكارت ثلاثة شروط لأهلية السؤال كتمهيد للمعرفة وهي :

  1. ينبغي أن يكون في كل سؤال شيء غير معروف.
  2. أن يكون هذا المجهول معروفا على نحو معين أو إلى حد معين.
  3. أن هذا المجهول لا يمكنه أن يصبح معروفا إلا بواسطة ما هو معروف.

وفي السؤال يتحدد أيضا الفرق بين العلم والفلسفة، فالعلم يطرح السؤال حول ما هو جزئي في الظاهرة التي يبحثها، ولا يبتعد بالمسالة وحلها إلى “الشمول الكلي”، كما هو الحال في الفلسفة، وإنما يظل مقيدا بحدود المسألة كما يجري طرحها ضمن نطاقه الخاص. “إن المشكلة بمثابة سؤال تأزم وتعذر الوصول إلى حل متفق عليه، فإذا كان هذا التأزم على المستوى النظري فيسمى مشكلة، وإذا تعلق بأمور الحياة الإنسانية فيسمى إشكالية، وغالبا ما يتعذر الوصول إلى حل للإشكالية.

يصاغ السؤال في اللغة العربية من جملة خبرية أو إنشائية بإضافة أداة استفهام إلى أولها : ” سقراط معلم أفلاطون.”، ” هل سقراط معلم أفلاطون ؟ ” ؛ ومن أدوات السؤال : هل، لماذا، كيف، لم، لمن، ماذا، متى، من أين، إلى أين … أما في اللغات الأجنبية (الهندو – أوربية) فيصاغ السؤال عادة من خلال عكس الجملة فيأتي الفعل أو الفعل المساعد في أول الجملة.

علاقة السؤال بالجواب

قد يبدو بأن بين السؤال والجواب علاقة تضايف، فبما أن لكل جواب سؤال، فيظن بأن لكل سؤال جواب، ولكن الواقع غير ذلك وهذا يقودنا إلى مسالة الأسبقية المنطقية بين السؤال والجواب، ففي حين تبدأ الفلسفة بوصفها نسق شامل بالجواب، إلا أن النشاط الفلسفي ذاته قد يبدأ بالسؤال أولاً. وقد اعتبر هيدجر السؤال نقطة البداية الحقة في الفلسفة. والسؤال الفلسفي كان دائما يتميز عن باقي أنواع الأسئلة بكونه أعم وأشمل، شأنه بذلك شأن الفلسفة ذاتها واختلافها عن باقي الفروع العلمية الخاصة.

العلاقة بين السؤال والتفكير

كل سؤال لا بد وأن يصاغ بلغة سليمة، واللغة السليمة ترتبط بالتفكير السليم، وبالتالي، ثمة علاقة بين المشكلة (كونها سؤال متأزم) وبين التفكير. يقول هيدجر : “إننا لا نستطيع أن نفكر إلا حينما نحب ما يكون في ذاته” الشيء الذي هو محط عناية ” وحتى نصل إلى هذا الفكر يجب علينا من جانبنا أن نتعلم التفكير … سندعو ما هو في ذاته ” الشيء الذي يعنى به ” ب : بؤرة التوتر. كل ما هو متوتر يسمح بالتفكير. ، يقود هذا إلى مسألة الأهمية في السؤال، وبالتالي أهمية المشكلة.

المشكلة والحل

الحاجة إلى حل مشكلة ما هي العامل المرشد دائما في عملية التفكير كما أشار جون ديوي، وراء كل مشكلة رغبة في الوصول إلى الحل، وحل المشكلات ما هو إلا محاولة وضع وتنظيم للمفاهيم لكي تصل إلى الحل المناسب. والوصول إلى الحل يرتبط بشكل أساسي بنمط التفكير المتبع والمعتقدات التي يؤمن بها الشخص. فمشكلة فيضان النيل على سبيل المثال تم حلها من قبل قدماء المصريين من خلال إلقاء عروس النيل بهدف إرضاء الآلهة، في حين عالج المصريين حديثا ذات المشكلة بتفكير علمي من خلال بناء السدود.

ثمة أمر آخر يتعلق ” بالحل “، وهو السلطة التي يستند عليها ؛ فكان التساؤل عن مصدر الحل هل هو روح الأجداد، أم الآلهة، أم العقل الإنساني. واضح أن هناك علاقة بين مصدر الحل وسلطته من جهة، وبين نوع التفكير المتبع من جهة أخرى.

الأسباب المؤدية لظهور المشكلة

تبدأ الفلسفة عندما نقول شيئا ما، وتبدأ المشكلة الفلسفية عندما نؤكد ذلك “القول”. (كانت)

لكل مجال أو فرع من فروع المعرفة مشكلاته الخاصة، ولكل مشكلة أسبابها المتعلقة بها أيضا، أما فيما يتعلق بالمشكلات الفلسفية، فقد حدد ديكارت أربعة أسباب رئيسية يرى أن المشكلات الفلسفية قد تنشأ بسببها وهي :

  1. الأحكام المبتسرة التي اتخذناها في مقتبل عمرنا.
  2. أننا لا نستطيع نسيان هذه الأحكام المبتسرة.
  3. أن ذهننا يعتريه التعب من إطالة الانتباه إلى جميع الأشياء التي نحكم عليها.
  4. أننا نربط أفكارنا بألفاظ لا نعبر عنها تعبيرا دقيقاً .

و تقود النقطة الرابعة بالتحديد إلى مسألة هامة ظهرت في منتصف القرن العشرين مع حركة الوضعية المنطقية، وهي مسألة إنكار ورفض معظم المشكلات الفلسفية، بل وكل مشكلات الميتافيزيقا، بحجة أنها لغو فارغ من المعنى.

المشكلات الزائفة في الفلسفة

انطلق أصحاب الوضعية المنطقية في رفضهم لمعظم المشكلات الفلسفية بحجة أنها لغو فارغ من المعنى من معيار التحقق (بالإنجليزية: Verification) والذي وضعه رودولف كارنب (بالإنجليزية: Rudolf Carnap) في كتابه المشكلات الزائفة عام 1966، وخلاصة هذا المبدأ أن كل عبارة لا نستطيع أن ” نتحقق “ منها تجريبيا – أي أن يكون لها مقابل في الواقع – هي عبارة فارغة من المعنى، ولذلك تم إنكار كل قضايا الميتافيزيقا على اعتبار أنه لا يمكن التحقق من عباراتها تجريبيا. كما أرجع لودفيج فتجنشتين، في كتابه “بحوث فلسفية” معظم المشكلات الفلسفية إلى “سوء استخدام اللغة”، وهو يقول في ذلك : “إن المشكلات التي تنشأ نتيجة لسوء تفسير صورنا الخاصة باللغة، تتصف بأنها ذات عمق. إنها اضطرابات عميقة، جذورها ضاربة في أعماقنا بعمق صور لغتنا، ودلالتها كبيرة بنفس قدر أهمية لغتنا.” 

ولما كانت المشكلات الفلسفية في نظر فتجنشتين هي مشكلات زائفـة ؛ فهي إذن لابد وأن تزول تماما، طالما أن الهدف الذي نطمح إليه في الفلسفة هو الوضوح الكامل. والوضوح الكامل لا يتأتى إلا بلغة سليمة، خالية من العيوب والأخطاء المنطقية، ومنها التحدث عن أشياء لا يمكن التحقق منها تجريبياً. ولذلك قال فتجنشتين مقولته المشهورة : “إن كل ما يمكن التفكير فيه على الإطلاق، يمكن التفكير فيه بوضوح، وكل ما يمكن أن يقال، يمكن قوله بوضوح.” 

إن مشكلة القضايا أو “المشكلات الفلسفية” الزائفة التي أظهر فتجنشتين مفارقاتها الممكنة في المرحلتين المبكرة والمتأخرة من فلسفته، وكذلك الحال مع كارنب وبقية المناطقة الوضعيين، إنما ترتبط أساسا بمشكلة المعنى والصدق، أو مشكلة الحقيقة في العلم الميتافيزيقا. ولذلك ستبقى هذه المشكلات الفلسفية ما بقيت الفلسفة ذاتها بوصفها “مشكلة فلسفية”.

المراجع
  1.  بطرس البستاني : محيط المحيط، ط 3، بيروت 1993 ص 477
  2.  محمد علي الفاروقي التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون، ج 2، بيروت، د.ت ص 786
  3.  الجرجاني، علي بن محمد : التعريفات، تحقيق : محمد بن عبد الكريم القاضي، القاهرة 1991 ص 224 فقرة 1595
  4.  جميل صليبا : المعجم الفلسفي، ج 2، بيروت 1982 ص 379. كذلك راجع : عبد المنعم الحفني : المعجم الفلسفي، القاهرة 1990 ص 321 . وكذلك، مراد وهبة : المعجم الفلسفي، ط3، القاهرة 1979 ص 407
  5. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب عبد الرحمن بدوي : الموسوعة الفلسفية، ج 2، بيروت 1984، ص 445
  6.  جميل صليبا : المعجم الفلسفي، ج 2، بيروت 1982 ص 379
  7.  أندريه لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، ت: خليل أحمد خليل، المجلد الثاني، بيروت، 1996، ص 1051
  8. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت أرسطو : كتاب الطوبيقا، نقل أبي عثمان الدمشقي، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي في كتاب : منطق أرسطو، ج 2، الكويت 1980، ص 494
  9.  أرسطو : كتاب الطوبيقا، نقل أبي عثمان الدمشقي، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي في كتاب : منطق أرسطو، ج 2، الكويت 1980، ص 503
  10.  أرسطو : كتاب الطوبيقا، نقل أبي عثمان الدمشقي، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي في كتاب : منطق أرسطو، ج 2، الكويت 1980، ص 505
  11. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب أرسطو : كتاب الطوبيقا، نقل أبي عثمان الدمشقي، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي في كتاب : منطق أرسطو، ج 2، الكويت 1980، ص 506
  12.  الموسوعة الفلسفية العربية، تحرير د. معن زيادة، بيروت 1986، ص 491
  13.  مارتن هيدجر : التقنية – الحقيقة – الوجود ، ت: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، الدار البيضاء، 1995، ص 186
  14.  رينيه ديكارت : مبادئ الفلسفة، ت: د. عثمان أمين، القاهرة، د.ت، ص ص 102 – 10
  15. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب لودفيج فتجنشتين : بحوث فلسفية، ت: د. عزمي إسلام، الكويت 1990، ص 107 فقرة 111
  16.  لودفيج فتجنشتين : بحوث فلسفية، ت: د. عزمي إسلام، الكويت 1990، ص 33

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.